أخبارأخبار الأسبوعثقافةقراءة نقدية

الوسية..والحكومة

الوسية ..والحكومة

بقلم مروة فؤاد

 

في الفن هناك قاعدة غير مكتوبة تقول اذا كان العمل الفني قادرا علي لمس غضب الشارع فهو لما يعد حكاية تروي بل وثيقة تقرأ..

ان التاريخ يعيد نفسه مرتين المرة الاولي كمهزلة والثانية مأساة (كارل ماركس)

 

**”الوسية” التي اغتصبها “الخواجة”: حين يصبح الفلاح المصري غريباً في أرضه**

 

لم يكن مسلسل “الوسية” مجرد عمل درامي عابر يُروى للترفيه، بل كان وثيقة مؤلمة تحكي السيرة الذاتية الحقيقية للمناضل “خليل حسن خليل”. حين نتأمل حكاية خليل، لا نرى فقط صراعاً فردياً لاسترداد حق مسلوب، بل نرى إسقاطاً طبق الأصل، ومِرآة عاكسة بصدق لواقع الفلاح والمواطن المصري البسيط، الذي يجد نفسه يوماً بعد يوم وجهاً لوجه أمام تحالف مدمر بين “الخواجة” (رمز الرأسمالية المتوحشة والنخبة الجديدة) والحكومة بأجهزتها المختلفة.

 

**”الخواجة” والحكومة: إقطاعيو العصر الجديد**

في حكاية خليل حسن خليل، يظهر “الخواجة” أو القطب المالي النافذ كشخصية تملك النفوذ والمال، وتتواطأ معها أجهزة الدولة لتجريده من أرضه وكرامته. هذا هو تماماً المشهد الذي تكرر في الواقع المصري خلال السنوات الأخيرة.

الحكومة المصرية الحالية، بشقيها التنفيذي والأمني، تحولت في كثير من الأحيان إلى “ذراع منفذ” لمصالح النخبة الجديدة ورجال الأعمال المقربين (الخواجة الجدد). تحت مسميات براقة مثل “التطوير”، “المصلحة العامة”، أو “بناء المدن الجديدة”، تمت مصادرة أراضي الفلاحين، وتجريف الأراضي الزراعية الخصبة، وتسليمها للمستثمرين لبناء منتجعات ومدن أسمنتية تُباع بأسعار خيالية لا علاقة للفلاح بها. الحكومة هنا لم تعد راعية للشعب، بل شريكة في “الإقطاعية الجديدة”، حيث يُمنح “الخواجة” الحق في النهب، وتُمنح الأجهزة الحكومية مهمة حماية هذا النهب.

 

**الفلاح والمواطن: الورثة الذين يُسلبون “الوسية**

في المسلسل، نرى خليل حسن خليل وهو يدافع بشراسة عن أرضه وبيته، تلك “الوسية” التي ورثها عن أجداده، والتي تمثل مصدر رزقه وكرامته.

انظر الآن إلى الفلاح المصري في الواقع؛ إنه ذلك البطل المظلوم الذي تُهدم قريته، وتُجرف أرضه، ويُقال له إن “الدولة تبني جمهورية جديدة”، لكنه لا يجد له مكاناً في هذه الجمهورية. المواطن المصري والفلاح البسيط هما “الورثة الشرعيون” لثروة هذا الوطن، لكنهم يُحاصرون بالضرائب، وغلاء الأسعار، ومصادرة الأراضي. “الوسية” في الواقع هي حق المواطن في العيش الكريم، وفي أرضه، وفي لقمة عيشه، لكن “الخواجة” والحكومة قرروا أن هذه الوصية لا تخص الورثة، بل هي غنيمة لمن يملك النفوذ.

 

**آلة القهر البيروقراطية: كيف تُسحق إرادة البسيط**

ما يميز سيرة خليل حسن خليل هو سنوات الكفاح المرير ضد آلة الدولة البيروقراطية والقانونية؛ الملفات التي تُضيع، والوعود التي تُكسر، والتهميش المتعمد لإرهاق البسيط حتى يتنازل عن حقه.

هذا هو حال المواطن المصري اليوم. حين يذهب الفلاح أو المواطن البسيط ليسترد حقه، يصطدم بجدار سميك من التعقيدات، والرشاوى، والقرارات التعسفية. الحكومة تمارس عليه “الوسية” بالقوة؛ تفرض عليه قرارات اقتصادية تفتت ظهره، وتصادر ممتلكاته بحجة “إزالة تعديات”، بينما تتغاضى عن تعديات “الخواجة” الذين يلتهمون ملايين الأفدنة والمليارات دون أن يمسهم سوء. النظام بأكمله مصمم ليسحق إرادة البسيط، ويجعله يشعر بالعجز أمام جبروت السلطة والمال.

 

*الخاتمة: صرخة خليل حسن خليل هي صرخة شعب**

قصة خليل حسن خليل في “الوسية” لم تنتهِ بنهاية الحلقات، بل هي مستمرة كل يوم في قرى ونجوع ومدن مصر. التشابه بين المسلسل والواقع ليس تشابهاً فنياً، بل هو تشابه في “المنهجية”؛ منهجية النهب الممنهج، وتحويل الشعب من مالك لبلده إلى مجرد “مُتصرف له” أو “مُستأجر” في أرضه.

 

لقد حولت الحكومة و”الخواجة” مصر إلى “تركة” كبيرة يتم تقاسمها في الغرف المغلقة، بينما يُترك الفلاح والمواطن البسيط ليواجه مصيره وحيداً. ولكن، وكما علمتنا سيرة خليل وجميع المظلومين في التاريخ: فإن الظلم قد يطول، لكنه لا يدوم. فالفلاح المصري، رغم قهره ونهب أرضه، يحمل في داخله “وصية” حقيقية؛ وصية الانتماء للأرض، ووصية الحق التي لا تسقط بالتقادم، وستبقى صرخته مدوياً حتى يُسترد الحق، ويعود الفلاح سيداً في أرضه، لا غريباً يتيماً يطالب بـ “بوسيته” المسروقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى